السيد كمال الحيدري
71
أصول التفسير والتأويل
التمييز بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية حيث استطاع من خلال التفكيك بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية ، وتوضيح حدود كلّ منهما وميدانه ودائرته الخاصّة ، أن يؤمّن الأدوات اللازمة لتحرير البحث العلمي من الالتباس والخلط الناشئ من توظيف الإدراكات الاعتبارية خارج حقلها ، أو العكس بتوظيف الإدراكات الحقيقية خارج حقلها الخاصّ . توضيح ذلك : الإدراكات الحقيقية ، وهى تلك المفاهيم التي لها مصاديق واقعية في الخارج ونفس الأمر « كمفاهيم الأرض والسماء والماء والهواء والإنسان والفرس ونحو ذلك من التصوّرات ، وكمعانى قولنا : الأربعة زوج ، والماء جسم سيّال ، والتفاح أحد الثمرات ، وغير ذلك من التصديقات ، وهى علوم وإدراكات تحقّقت عندنا من الفعل والانفعال الحاصل بين المادّة الخارجية وبين حواسّنا وأدواتنا الإدراكية » « 1 » . الإدراكات الاعتبارية : « وهى المفاهيم التي ليس لها مصداق واقعي في الخارج ، ولكن العقل يعتبر لها مصداقاً ، أي أنّ العقل يعتبر الشئ الذي ليس هو مصداقاً واقعياً لهذه المفاهيم يعتبره مصداقاً ، ولكي تتميّز الإدراكات الحقيقية عن الإدراكات الاعتبارية نستعين ببعض الأمثلة . فالرئاسة والمرؤسية والمالكية والمملوكية إذا حلّلناها نجد أنّه لا يوجد بحسب الواقع الخارجي من الإنسان الرئيس إلّا إنسانيّته ووجوده الخارجي ، وأمّا رئاسته فإنّما هي بحسب اعتبار المجتمع والعقلاء ذلك ، وهكذا في الإنسان المرؤوس . وكذلك لو جئنا إلى الكتاب المملوك ، فالذي له تحقّق خارجي إنّما هو الكتاب وأمّا مملوكيّته فأمر اعتبارىّ لا يتجاوز حدّ الذهن ، وعلى هذا القياس فلو شكّل ألف جندىّ فوجاً واحداً من الجيش ، فإنّ الوحدة اعتبارية بخلاف كلّ جندىّ جندىّ الذي يعدّ فرداً
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، الآية 213 من سورة البقرة ، علومه العملية .